حيدر حب الله

71

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

لحظة أخرى في قمّة الصلاح والنفع ، فوالدك يمنعك من التجارة وأنت في سنيّ المراهقة ويحرمك منها في السوق ، ليذهب بك إلى المدرسة ، بهدف أن تدرس ، لكي تعمل في التجارة نفسها إذا كبرت ، والسبب هو أنّ العمل الأوّل يراه والدك مؤقّتاً زائلًا لا ينتج شيئاً نافعاً على المدى البعيد ، فيما العمل الثاني ثابت راسخ واعٍ منتج ومفيد على المدى البعيد . فجوهر الموضوع هو أنّ الله أراد لنا أن نعيش حياةً سعيدة في عمرنا ، وهذا العمر ينقسم إلى مرحلة بناء الذات ( مثل سنيّ التعلّم في المدرسة ) ومرحلة قطف الثمار ( مثل سنيّ الكبر وما بعد التخرّج ) ، فأراد لنا أن نحرم أنفسنا من بعض الأمور في مرحلة بناء الذات ، والتي نسمّيها دينيّاً ب - ( الحياة الدنيا ) ، لنصل إلى نسخةٍ أفضل وأدوم لهذه الأمور نفسها في مرحلة قطف الثمار ، والتي نسمّيها في اللغة الدينية ب - ( الحياة الآخرة ) ، فبهذه الطريقة رُكّب هذا العالم في النظرية الدينيّة ، تماماً كما ركّبت أجزاء حياتنا في المراهقة وما بعدها بتلك الطريقة التي أشرنا إليها ، فليس في الأمر تناقضاً . إنّه تعالى يقول لك : اترك هذه الملذّات للحظات ( يوماً أو بعض يوم ) ومن أجلي ، لأعطيك إيّاها لعمرٍ دائم تكون هي فيه لأجلك ، والسبب هو أنّ تركك لها لفترة محدّدة يوجب تسامي نفسك واقترابك من الله ، فيجزيك على ذلك الخير المعنوي والمادّي يوم القيامة . ولهذا جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ